دروشة في عتمة الليل
فجهزت لجلسة شاعرية مع نفسي وأحضرت معي راديو صغير اهدتني اياه زوجتي الحبيبة فبل مجيئي الى القاهرة ... و بعض القهوة و"التسالي" لتكمل السهرة ... وأخذت زاوية في البلكونة... وساعدني أن كل البيوت التي حولي بعيدة عني ... فلا كاشف ولا مكشوف ... وبدأت اقلب "الترانزستر" واستقرت الموجة على رائعة أم كلثوم "أغداً ألقاك؟" ... وبدأت السهرة بمتابعة ما يستجد في العتمة من مجريات... نباح لكلاب تأتي من العمق لتساهم في أن يكون الليل بالفعل ليلا... وصوت غرغرة ماء قادم من نرجيلة جاري "الطبيب" في الشقة السفلى ليضيف لحنا جميلا لصوت سيدة الغناء ، وفي الأفق البعيد بناية منارة بالكامل تلمع لتضفي نوعا من من الجمال على عتمة الليل. صار هذا يؤنسني. وفجأه بدأت اسمع صوت طنين يحوم حولي ، اختفى الصوت ، أين ذهب؟؟ ... نعم هي بعوضة اخذت قوتها مني وانصرفت ... جميل جدا أن يهتم بك مخلوق وأنت تجلس وحيدا في عتمة الليل
بين الفينة والفينة تمر بعض السيارات تشق عتمة الليل وتلوث سكونه بزخات من نهيقها ... لماذا يطلقون تلك الأبواق في منتصف الليل؟؟ لعل سائق تلك المركبة يحاول ان يجلب الإنتباه ... ليس من أجل رزقه فقط ... بل من أجل وجوده كإنسان
اوشحت بنظري حولي ... بدأت اتأمل كل هذه البنايات الشاهقة التي اجزم انها مكتظة ... لماذا نعيش في علب سردين كهذه وبلاد الله واسعة؟ بنايات متلاسقة كأن الواحدة تنافس الأخرى على حجب السماء والهواء... ومع كل هذا الإزدحام من الإسمنت إلا انك تشعر وكأن الناس موتى ... هدوووووء ... الا يوجد طفل يبكي؟ اليس هناك حشاش يسعل؟ اقبل بسماع صوت طبق لاقط يتحرك باحثا عن فضائية ساقطة!! أو حتى صوت صوت صرصور ... لطالما ارتبطت عتمة الليل بصوت نوع من الصراصير ... أين ذهبت الصراصير؟!! لقد أوشك الصيف أن ينقضي ... ومع هذا لم أرىَ للآن أي صرصور
ومن اعلى البنايات في الجوار كان هناك القمر يطلع على استحياء كعادته ... لعله ما زال يشعر بالخجل لأن احدهم اكتشف حقيقته وبأنه خدع الشعراء والعشاق ... فقد كان يوما الاه الحب والجمال ... الى أن اتى عالم شاذ قرر أن القمر بشع ولا حياة له ... مقفهر وقبيح ... لم يكن يعلم هذا "العالم" المتقوقع في مختبره أن تلك المعلومة دمرت تاريخا من العشق والغزل ... ماذا استفادت البشرية من معلومته التافهة ... ها هي أم كلثوم تصدح " هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر ...فارحم القلب الذى يصبو إليك"... كم هو غبي ذلك العالم
وتكمل الست
فغداً تملكه بين يديك
وغداً تأتلق الجنة أنهارا وظلا
وغدا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولى
وغداً نسموا فلا نعرف للغيب محلا
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا
قد يكون الغيب حلوا
إنما الحاضر أحلى
هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا
مهجة حرى وقلباً مسه الشوق فذابَ
اغدا القاك؟
ما أجمل الليل... وسكون الليل ... وقهوة الليل ... وغررة نرجيلة جاري ... وما اتعس الوحدة





